نحن وكورونا/حنفي دهاه

نكون منصفين إن لم نثمّن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الموريتانية للتصدي لفحل ”كورنا“ السارب، الذي هجم على العالم كديناصور أسطوري يلتهم البشر و الحجر و المدر
لن نكون منصفين إن لم نثمّن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الموريتانية للتصدي لفحل ”كورنا“ السارب، الذي هجم على العالم كديناصور أسطوري يلتهم البشر و الحجر و المدر.

لقد علمنا تعاملنا مع جائحة الكورونا أنه حين تسلم القوس لباريها، فيمكنك أن تنام ملء جفونك عن شواردها، فهذه الطريقة الجيدة في التصدي لوثبة كورونا المباغتة هي ثمرة اختيار وزيري صحة و داخلية يتمتعان بالكفاءة المهنية. فالانتداب للمهام الحكومية ينبغي أن يتم فيه توخي الأهلية، لا الاعتبارات الزبونية الضيقة، فلا يعمل الحسام المشرفيُّ الزاهي بجوهره إلا في كف بطل.
لقد بدأ تعامل السلطات الموريتانية مع الوباء شفافاَ، حيث دأب على مكاشفة المواطنين بالوضعية الصحية من غير تعتيم و لا تغييم، و تم اتخاذ الإجراءات الوقائية المناسبة في وقتها، قبل أن تقع الفأس في الرأس، و يسبق السيف العذل. فكنا أسرع في ذلك من بعض الدول التي لم نزل نغبط شأوها علينا في مضمار التنمية و الازدهار.
و هكذا فقد كان قرار الدعم الاجتماعي للمتضررين من آثار الحرب على العدو الشبح ”كورونا“ بادرة جيدة، منحت المواطن شعوراً غير مسبوق بالطمأنينة على أن للدولة حضوراً في حياته. غير أنه باستثناء تبرع رجل الأعمال محمد ولد بوعماتو السخي فإن هبات رجال الأعمال الذين دأبوا على مصّ دماء الشعب كانت شحيحة، كما كان مفاجئاً لغيري ممن لا يدرك حجم نذالة ولد عبد العزيز أنه رغم اعترافه بثرائه لم يتبرع بفلس واحد لشعب حكمه عشر سنوات بالحديد و النار، امتص فيها خيراته و نهب ثرواته، و أورثه نظاما صحياً رديئاً ستتجلى كارثيته ـ لاقدر الله ـ لو قُدِر لوباء الكورون أن ينتشر في بلادنا أكثر.
لقد آتت الخطة التي اعتمدتها موريتانيا في التصدي للوباء أكلها، حيث أن الحالات المؤكدة حتى الآن لا تزال محدودة، و لله الحمد، و هو أمر قد يجعل من السهل اجتياز مرحلة الخطر، من خلال احتواء الوباء و منعه من التفشي، في بلد لا يحتاط أهله كثيرا لصحتهم، غير أنه ينبغي أن تطال الإجراءات كل المواطنين، فلا تمنح رخصة التنقل بوساطة كما حدث مع ابن مدير شركة المياه و لا تستثنى زوجة الرئيس السابق من الحجز الصحي لإن إكراهها عليه قد يفتح الباب لتأويلات سياسية لا يرغب فيها قادة البلاد الجدد. إن جائجة ”كورونا“ من الخطورة بحيث لا ينبغي أن ينظر إليها بغير عين الوقاية و النجاة منها، أما الاعتبارات الأخرى فينبغي تأجيلها إلى أن تنجلي الغمة.
لقد ظل توخي الشفافية في نقل المعلومة للمواطن بيضاءَ ليلها كنهارها أنجعَ وسائل التصدي للوباء، فالحجر إنما يكون على المصاب و المشتبه به و مظنة الإصابة، و ليس على المعلومات و الأنباء الصحيحة، لا الكاذبة التي لا أجد غضاضة في معاقبة مروجيها، الفاتّين في أعضاد المواطنين. فلا معنى لأن يتوعد وزير الصحة الأطباء بالويل و الثبور و عظائم الأمور إن هم كشفوا لنا عن جانب يتعلق بقصور أو تقصير السلطات الصحية عن مهامها. فالنقد و التنبيه على مكامن الخلل هو ضمان جودة العمل و الخلو من الزلل.. و لا يخاف كشف الحقائق إلا من لديه ما يخفيه.. فما الذي يخفيه عنا وزير الصحة؟!
كم يخيفني أن تكون هنالك إصابات يتم التستر عليها، فالسيدة التي أعلن وزير الصحة الليلة عن وفاتها لم تكن ضمن الحالات الخمس التي سبق له تأكيد إصابتها بكورونا.!!.
لقد كانت المعلومات التي أدلى ولد حامد في تصريحه الليلةَ شحيحة، فمتى تم الكشف عن إصابة المتوفاة بالكورونا.؟!..
و ما هي علة الوفاة؟ أهي كورونا أم نوبة قلبية؟!
لقد اعتمدت مقاربة كوريا الجنوبية في التصدي للوباء على إتاحة المعلومات و مشاركتها و فحص من اختلطوا بالمصاب خلال الأربعة عشر يوماً، و رصدهم و تتبعهم من خلال بطاقات الائتمان المصرفية و صور الكاميراهات و تقنيات تحديد الأمكنة، و نشر رسائل نصية و عبر مواقع حكومية أيضاً بأسماء الأشخاص المصابين و مناطقهم التي يسكنون أو يعملون فيها، و هي إجراءات، و إن أثارت قلقاً إزاء انتهاك الخصوصية، فقد دفعت الناس لإجراء الفحوصات، فكانت اختبارات التشخيص أسرع من أي بلد في العالم (15 ألف فحص يومياً) مما ساعد من خلال الرصد المبكر في أن تسجل كوريا أدنى عدد وفيات مقارنة بعدد الإصابات المؤكدة التي بلغت اليوم 9137 تماثلت 3730 حالة منها للشفاء، بينما لم تتجاوز الوفيات منها 126 حالة.
ينبغي أن تواصل السلطات الموريتانية حربها الضروس ضد الكورونا، و أن تستغل في ذلك كل إمكانياتها المادية و المعنوية، و أن تستعمل كل الوسائل و المنابر لتعبئة المواطنين على التقيد بالإجراءات الوقائية، و أن تتكفل السلطات الأمنية بحراسة الحدود من المتسللين المتهربين عن الحجر الصحي، متخذة ضدهم عقوبات زاجرة، فالمتسلل الذي يدرك أنه يخالف بذلك القانون، و يعرّض نفسه لحجر صحي يغادره إلى سجن يقضي فيه عقوبة قد تستمر سنة، سيجد في نفسه ما يصرفه عن المجازفة.
كان رئيس الدولة محمد ولد الغزواني على قدر المسؤولية في تعامله مع تحدي ”الكورونا“، غير أن ما تم اتخاذه حتى الآن من إجراءات ليس سوى أول الغيث، فليكن قطراً ثم ينهمر، و ليتم تعزيزه بإجراءات تواكب تطورات الجائحة، و تحتاط لكل آثارها و مخلفاتها، و لعل من هذه الإجراءات الضرورية إصدار عفو رئاسي عن عدد معتبر من السجناء، على غرار ماتم في دول كثيرة، و دعت له منظمة العفو الدولية، فلو تسللت حالة واحدة للسجن، مع ما يشهده من اكتظاظ و تعذر عزل أو حجر صحي – لا قدر الله – لكانت كارثة.
اللهم احفظ موريتانيا و احفظ أهلها و البشرية جمعاء.. أنت ولي ذلك و القادر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق