في ذكرى رحيل العلامة محمد سالم بن المحبوبي/بقلم : الأستاذ محمد عبد الرحمن بن عبدي

بمناسبة مرور ما يقارب ثلاثة عقود من الزمن على رحيل علامتنا الشيخ محمد سالم بن المختار بن المحبوبي، وفي ذكرى رحيله نخصص هذه الصفحات وفاء لعهده، وتخليدا لذكراه، على أن نخص العلامة محمد يحيى بن الشيخ الحسين في ذكراه بما يناسبه.

من أماسي دجمبر 1979، من الشهر الأول من العام الأول من القرن الهجري الجديد، ما أنس لا أنس دخول الدفعة الأولى من المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية في فصلها الأول في انتظار ملا قاة أستاذ من طاقم التدريس، كنت حينها شارد الذهن، مشوش الخاطر، مستطار اللب، لم أحسم بعد توجهي.
ما زلت متعلقا بمواصلة مسيرتي، شغوفا بدراستي في شعبة الرياضيات بالثانوية الآتي منها، تنازعني نفسي كيلا أتخلى وأترك تطلعاتي في ذلك العلم.
دخل علينا في هدوء أستاذ أربعيني، تعلو وجهه ابتسامة، سيما الفضل والوقار بادية على محياه
محيى المرء أصدق ترجمــان

عن الكــنه المغيّب في الـفؤاد
تبعه أحد المراقبين، معرّفا به، قائلا: هذا القاضي محمد سالم بن المحبوبي أستاذكم، بعد إلقاء التحية والسلام، لم يحدّثنا عن مناهج وبرامج الدراسة بالمعهد الجديد، لم يقدّم لنا نفسه، ولم يعرّفنا على حياته عادة المدرسين، ولا مجالات تدريسه وتخصصاته الجمة التي سنعرف فيما بعد طوال سني دراستنا بالمعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية.
في هذا اللقاء تحدّث لنا مطوّلا عن صنوه، رفيق دربه، الأستاذ العلامة الشيخ محمد يحيى بن الشيخ الحسين، خصّه بمحاضرته الأولى كاملة؛ عن مكانته، عن تبحره في العلوم، منوّها به ، طالبا منا الحرص عليه، والاستفادة من علمه وأدبه، لا تفتكم –يقول:- فرصة هذا العالم، إنه عالم لا نظير له في هذا الزمان.
عنى لي هذا الشيخ الشيء الكثير؛ إذ كان معلمي الأول في مدرسة لحويطات الأستاذ الجليل ابن نسبه محمد بن زين بن محمد بن المحبوبي.
ومن حديثه وطلاقة وجهه، وفصاحة لسانه، وكونه قاضيا وأستاذا، فمكانته في العلم ستكون لا شك رفيعة، وقدره فيه جليل، وتنويهه بزميله العلامة الشيخ محمد يحيى بن الشيخ الحسين صدق ونصح يدل على دينه، وطهارة طويّته، إنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذووه.
من الغد باكرت المعهد العالي بكور الطير نقضا للعزيمة والنية التي كنت عليها، وذلك للتعرّف على الأستاذ محمد يحيى بن الشيخ الحسين الذي شدني إليه، وشوقني به حديث الأمس لزميله الأستاذ العلامة القاضي محمد سالم بن المحبوبي .
حضر العلامة محمد يحيى بن الشيخ الحسين فأمر بلائحة الطلاب فقرئت، كل يعبر عن حضوره، ما إن وصل القارئ إلى اسمي حتى استوقفه، ليسألني أأنت من أسرة أهل فلان؟، قلت: نعم، جلست في الصف الأول قريبا منه، فلكأنه رحمه الله- وسأعرف ذلك فيما بعد- كوشف عن همتي ووجهتي وعزمي مواصلة دراستي الأولى بدل الدراسة في المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية لينتزعني منها انتزاعا.
يومان فارقان فاصلان في مسيرة حياتي، يعود فضل ذلك إلى الله تعالى ومشيئته في سابق أزله أوّلا، ثم إلى الشيخين العالمين العاملين الورعين؛ الشيخ محمد سالم بن المحبوبي عنوان هذه الصفحات في حرصه على توجيهنا وإرشادنا، واهتمامه باستفادتنا من زميله العالم العلامة الشيخ محمد يحيى بن الشيخ الحسين، ومنه هو كذلك، وإلى الأستاذ العلامة محمد يحيى بن الشيخ الحسين في مكاشفته بحالي يومئذ.
فهما اللذان خرّجاني وأرشداني إلى هذه الصناعة، وأدخلاني -لعلي أتطفل على موائد هذه الجماعة والانتظام- في سلكها جزاهما الله عني أحسن جزاء، وأجزل لهما العطاء، وأنزلهما منازله العليا في فردوسه الأعلى.
من ذلك التاريخ واصلت الدراسة في المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية، وانقطعت بالكلية عن شعبة الرياضيات.
مررت بعد أسبوع أمام الثانوية العربية حيث كنت أدرس، أوقفني أستاذي في مادة الرياضيات الأستاذ السوري إبراهيم أحميده، وأحدق فيّ النظر، ثم قال: وا أسفي على عبد الرحمن، كان سيصبح عالما في الذرة، أو عالما في علم الفضاء.
لم يشوّش ذلك عليّ، ولم يفت في عضدي، ولم يوهن في عزيمتي، قضي الأمر عندي وتوكلت على الله تعالى.
تقاسم الشيخان أعباء دراستنا فلم يغيبا عنا إلا في مواد يسيرة، كان العلامة الشيخ محمد سالم بن المحبوبي في السنتين الأوليين قبل التخصص؛ في الأولى درّسنا العقيدة، وعلوم القرآن والتفسير وعلومه، وخلاصة ابن مالك في النحو، وعلوم البلاغة والبيان، وفي الثانية درسنا التفسير والنحو؛ واصل مع (خلاصة ابن مالك).
وتولى العلامة الشيخ محمد يحيى بن الشيخ الحسين تدريس الحديث (موطأ الإمام مالك) ومصطلحه والفقه والأصول.
وفي قسم القضاة عند التخصص توليا كل دراستنا، في الفقه تولى محمد سالم الإجراءات القضائية، والقانون المدني والعقاري والأحوال الشخصية من الفقه المالكي، وبقي محمد يحيى يدرس القانون الجنائي، وقواعد الفقه وأصوله.
كانا قمري زمان، وفرقدي سماء، وزندي وعاء، وفرسي رهان، مع التجانس والتحاب والتآخي في الله تعالى، خلاف ما قد يقع بين الأقران والأنداد من تغاير بين العلماء- المعاصرة تنفي المناصرة- خليل: “ولا عالم على مثله”- .
لم أرهما يوما اختلفا في مسألة، ولا افترقا في رأي، ولا تحدّث أحدهما عن الآخر إلا بالتقدير والإجلال، برأهما الله تعالى وطهر قلبيهما من كل غل وحسد، صوفيان تزكيا وتهذبا.
كنا نتعلم من سمتهما وأدبهما ووقارهما قبل التعلم من علوم ملكا ناصيتها؛ تدفق وتتصبب منهما كأنها نصب أعينهما.
كنا نسأل الشيخ محمد سالم بن المحبوبي رحمه الله تعالى عن المسألة فيجيب: لا أدري، ثم يسكت، حتى يظن أن ليست معه أثارة من علم المسألة، ثم يتدفّق علما غزيرا ، مبيّنا وذاكرا كلما فيها.
لا نجد عنده رحمه الله تعالى نقصا أو تقصيرا في علم من العلوم المتعددة التي مارس تدريسها، فإذا أخذك إلى علوم اللغة أو البيان قلت: هذا مجال تخصصه بلا منازع، وكذلك شأنه مع التفسير وعلوم القرآن.
آخر ما درسني علم الفرائض، فحدث عنه فيه ولا حرج، حتى إني عرفت منه فيه أنه على دراية عميقة بعلم الحساب، لكن على طريقة القدامى.
والفقه فقه المعاملات إنه لنقاب جذيله المحكك، وعذيقه المرجب، وخاصة علم القضاء، وكما قال ابن العربي: ” لعمر إلهك إنه لنوع من العلم مجرد، وفضل منه مؤكد، غير معرفة الأحكام، والبصر بالحلال والحرام، وقد يكون الرجل بصيرا بأحكام الأفعال عارفا بالحلال والحرام، ولا يقوم بفصل القضاء فيها، وقد يكون الرجل يأتي القضاء من وجهه باختصار من لفظه وإيجاز في طريقه بحذف التطويل، ورفع التشتيت، وإصابة المقصود” كذلك هو كان رحمه الله تعالى .
كان على دراية كاملة بهذه الصناعة؛ صناعة علم القضاء وفقهه، والتوثيق، وتسيير مراحل الدعاوي، والحز في المفصل في النوازل، والنطق في الأحكام؛ ولغتها وكيفية تحريرها وتنفيذها، وسيّر القضاة وتاريخهم؛ يحدّثنا عن نوادر أقضية الفردوس المفقود.
حدّثنا رحمه الله تعالى عن قاض كان بالأندلس يبكي إذا حضره الخصوم، لا يسكت إلى أن يفارقوه، وآخر فيها لا يحكم بين الناس، فإذا عيب عليه ذلك قال: لأن يقال: لم تحكم خير من أن يقال: حكمت بجور، وثالث قضى خمسين عاما كل يوم يرد الرشوة من الذهب الخالص؛ تقدم له ليحكم بغير مشهور مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى.
كان يملي علينا من أنظامه شوارد العلم والنوازل، وهو نظّام، بل شاعر مجيد، ومن نوادر أنظامه رحمه الله تعالى نظمه التدمية البيضاء في قصة الفقيه الأندلسي اللؤلؤي القائل بها، ونص الرواية:
ذكر بعض من ألّف بعض أخبار فقهاء الأندلس أن أبا بكر محمد ابن أحمد اللؤلؤي كان له حقل، يجاوره حقل جار له، وكان حريصًا أن يصير له حقل جاره، فطلبه بكل وسيلة، فأبى صاحبه، إلى أن اعتل فعاده اللؤلؤي، فأظهر له السرور، فطمع اللؤلؤي في حاجته في الحقل، فأظهر له الاستجابة، فأحضر اللؤلؤي الفقهاء، فقال: أشهدكم أن الفقيه اللؤلؤي هذا قاتلي متعمدًا، فإذا حدث بي حدث الموت استقيدوا منه لي، فبعنقه دمي، وأنتم رهناء بالصدق عني، فدهش الفقيه ومن معه، وأقبل على الرجل يتثبت ذهنه، ويذكره ما جرى بينهما، ويخوفه الله، ويعظه هو وأصحابه، فلم يرجع . وسألهم اللؤلؤي التريّث، وخلا به؛ وقال: تعصي الله في أمري وتدمي في غير حق علي؟ فقال له: وهل قلت إلا ما فعلت، دخلت علي، وأنا أحسبك عائدًا مشفقا فسررت، وإذا بك باغي فرصة، مستني في سويداء قلبي في أمر هذا الحقل المشئوم ما تعلم كرهه إلي، فهل أردت إلا قتلي إذا طلبت أخذ كريمة مالي؟ فاعتذر إليه اللؤلؤي، وقال: إنه تائب معترف بخطئه. وقال له: احلف بالأيمان اللازمة أنك لا تلتمس هذا الحقل أبدا، وأن تحرمه على نفسك ولو صار إليك بميراث أو غيره، وأنك لا تهم لي بعد ذلك بمساءة، ولا تحقد بعد ذلك على ذريتي، فحلف له بذلك كله، وتوثّق منه فيه، وعند ذلك أذن له بإدخال الفقهاء عليه، فلما دخلوا أشهدهم أنه قد عفا عنه لله تعالى وأسقط عنه تبعة دمه، فقال له اللؤلؤي: إنما أريد أن تكذب نفسك، وتعود لشأنك، قال: هذا هو الحق فإن أقنعك عفوي عنك، وإلا فإني على ما عقدته عليك، فرضي منه اللؤلؤي بذلك، وتوثق من الإشهاد به عليه، واتخذ حديثه معه موعظة اعتقد بها ألا يفتي في تدمية بعدها. نظم ذلك الشيخ محمد سالم بقوله:
قول القتيل تجب الـــقسامه

به وإن لم ير من عـــلامه
وذا هو التدمية الــــبيضا التي

قال بها أصـــبغ فخر الملة
وابن كــــنانة لها قد أنكــرا

ولو بــشاهد بضرب أخبرا
وقصة الشيخ أبي بكر الأبر

اللؤلؤي في ذاك تجلب العبر
إلى آخر النظم الرائع..
رغم ذلك لم يطب له المقام في القضاء، فضاق به ذرعا، كان ورعا فيه، وجلا من الوعيد الوارد فيه، خمس من السنين كافية لهذا الشيخ للفرار منه، فكان له ما أراد. قال:
من القضا فرّ ابن وهب إذ رجا

حشـرا مع العالم ثمت نجا
وبقي ابن الأغلب الذي اشتهر

يطلب سحنون عليه واستمر
ذلك نحو سنة فهدده

بجعل شيعي بغيض بلده
إلى أن يقول:
شتان بين من عليه أقدموا

الآن والذين قد تقدموا
أمننا الله من الآفات

فيه وفي الغير إلى الوفاة
عودتني الرياضيات والعلوم التجريبية على الفهم لا على الحفظ، والاعتماد على المراجع، فجئت المعهد العالي على تلك الحال، فكنت اعتمد الفهم، وأرجع إلى كتب المادة، لا إلى دروس الأستاذ، الشيء الذي لم يرق لبعض الأساتذة فحاسبني عليه في الامتحانات، بينما شجعني الشيخ محمد سالم عليه ونال إعجابه.
أما حياته رحمه الله تعالى فإنه: العالم العلامة الأستاذ القاضي الورع المهذب الزاهد محمد سالم بن المختار بن المحبوبي بن المختار بن محمذن بن محمد الأمين بن ألفغ المختار باب بن عمر بن علي بن يحيى بن إيداج سليل دوحة علم تليد، وبيت رفيع، ضارب بجذوره في المشيخة والمعرفة والتقوى.
ولد في ربيع الأول 1354هـ 1935م على كثيب أعليب اسلامه عند بئر انتوطفين، نشأ في طاعة الله، لم تعرف له صبوة، ولم تقع منه هفوة، ولم تشاهد منه كبوة، قدمه الشيوخ لإمامة الصلاة وهو ابن17 سنة، أخذ سائر فنون العلم والمعرفة والتصوف عن والده العلامة المختار بن المحبوبي حتى تبحّر، فأقامه مقامه في الإقراء والإفتاء وهو ابن عشرين سنة، انتظمت حوله المدارس، ورجع إليه في الفتوى قبل ولوجه مهنة القضاء وبعدها حين تفرغ للتدريس في المعهد العالي.
أفاد وأجاد، وأتى بالقول الفصل في مؤلفاته ومحاضراته، فهي تترجم عن: علم وتبحر، وفهم ودراية، وإحاطة بالمواضيع التي تناولتها، وقد طالت علوم القرآن والحديث وعلومه والعقيدة والفقه وقواعده والأصول والنحو والبلاغة واللغة والأدب والشعر والتصوف والتاريخ والأنساب.
سبع وخمسون عاما كلها جد واجتهاد، ومثابرة وعطاء، وإنتاج تفرغ فيها للتدريس والإفتاء والعبادة والتأليف، كان فيها متمسكا بالسنة، نابذا للبدعة، متجافيا عن دار الغرور، متأهبا متهيئا ليوم الرحيل.
في يوم الجمعة الثامن والعشرين من شهر الله ذي القعدة 1412 الموافق 28 مايو1992 استجاب لنداء الباري جل وعلا فرحل عن دنيانا الفانية، رحمه الله برحمته الواسعة.
قال في نعيه العلامة نافع بن حبيب بن الزايد التندغي:
و”شــــــيبت” ذوائب الــــــــزمان

روعة نعي العــــالم الديماني
محــــــــــــمد من قبل لفظ ســالم

العالم ابن الـــــــعالم ابن العالم
قاضي القضاة من بني المحبوبي

الحافظ الجاري على الأسلوب

جعل الله تعالى البركة في أبنائه فالرجل يلد عمله، وهم والحمد لله -حفظهم الله ورعاهم – علماء وقضاة وأستاذة أتقياء بررة، البركة فيهم، وفي أمهم سليلة ذات المحتد الماجدة التقية العالمة العارفة بالله تعالى سلمى بنت آكاه عمّرها الله في طاعته. آمين

كتبه الأستاذ محمد عبد الرحمن بن عبدي

اون ريم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق